أبي منصور الماتريدي

77

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بعضهم خلفاء لبعض ؛ على ما ذكر : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ . وقوله - عزّ وجل - : مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ . فإن كان قوله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ في الدين والمذهب ، فيكون تأويله : [ منهم الصالحون المؤمنون ، ومنهم دون ذلك الكفار ، ويكون قوله : دُونَ ذلِكَ أي : غير ذلك كقوله يعيدونها دون الله أي : ] « 1 » غير الله . وإن كان في المعاش ، فبعضهم دون بعض في المعاش ؛ وسع على بعض المعاش ، وشدد على بعض وضيق ، فيكون بعضهم دون بعض في المعاش والرزق . أو بعضهم دون بعض في الدين ، بعضهم على الصلاح ، وبعضهم أصحاب أهواء ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ . ابتلى بعضهم بالخصب والسعة ، وبعضهم بالشدة والضيق ؛ ليذكرهم الموعود من الثواب في الحسنات ، ويزجرهم الموعود من العقاب عن السيئات . لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . يتوبون ويرجعون عن ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فهو يخرج على وجوه : أحدها : بلوناهم بالنعم والخصب والسعة ؛ ليعرفوا فضل الله وإحسانه فيرجعوا إليه بالشكر والثناء ، و وَالسَّيِّئاتِ ، أي : بالبلايا في أنفسهم أو المصائب والضيق ؛ ليعرفوا قدرة الله وسلطانه ، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء والتوبة . والثاني : معناه : أي : بلوناهم بالحسنات والسيئات ؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم أملك بهم من أنفسهم ، فيرجعوا إليه [ بتسليم ] « 2 » النفس لأمره وحكمه . والثالث : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ المؤمن منهم والكافر ، حتى إذا رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم ، فيضطر الجميع إلى الإيمان بالبعث ؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء . والرابع : أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذّة الموعود في الآخرة ، وكذلك الشدة ، فابتلاهم بالأمرين جميعا ؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في الآخرة ، والله

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .